الشيخ محمد آصف المحسني

97

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

فاعلية غير مادية - فقد ذكروا لإثباته وجوها : الأول : وهو عمدة تلفيقاتهم وأشهرها : إنّ مثل هذه العلّة غير مدركه بأحد الأحاسيس ولم تدلّ عليها التجربة العلمية ، فلا سبيل لنا إلى الإيمان به . الثاني : إنّ كلّ موجود لا بدّ له من سبب كما أثبتته التجربة العلمية فالوجود الغني عن السبب غير معقول . ذكره بعض الفلاسفة الماركسية على ما تقدّم . الثالث : إن العالم المادي لو لم يكن أزليا وغنيّا عن علّة مجردة لكان معلولا لها ، فيكون مخلوقا من العدم ، وهذا غير معقول ، فإن العدم لا يسبب الوجود ولا يكوّنه . الرابع : إنّ كلّ موجود يجب أن يكون في الزمان والمكان ، ولا يعقل ما يكون متحرّرا منهما . الخامس : إنّ حدوث المادة غير محسوس ، فلا دليل على كونها مخلوقة للفاعل الخارج عن نشأة الطبيعة ، فإذن هي قديمة . السادس : إنّ مبدأ العالم لو كان فاعلا مختارا لكان له غرض من خلقته لا محالة ، مع أنا لا نعلم الغرض المفيد في جملة من الأشياء . السابع : إنّ التجربة العلمية دلّت على أن كلّ موجود مادّي ، معلل بسبب مادّي آخر ، ومعه لا ملزم للالتزام بوجود فاعل مجرّد مختار بعد المادة المذكورة . الثامن : المؤثّر في العالم لا بد أن يكون إمّا إرادة الفاعل المختار وإمّا العلل الطبيعية - على سبيل منع الجمع والخلو - فإنّ تأثير المريد المختار ينافي النظام الحاصل من تأثير العلل الطبيعي الذي لا يتغير ولا يتشتت ؛ وحيث إنّ العلوم قاضية بتأثير العلل المادية وإن الحوادث الطبيعية مسبّبة عن أسباب طبيعية ، يستكشف منها عدم المبدأ المختار المذكور . هذه هي تلفيقاتهم في هذا المبحث ، ومن الضروري أنها مخالفة للوجدان والفطرة والبرهان والفلسفة والمميز العاقل لا يقدم على إبراز هذه الكلمات الفاسدة المخالفة لضرورة العقول الساذجة . والإنصاف أنّ هؤلاء الماديين المتفلسفين ، بين من غرّته العلوم الطبيعية فحسب أن تبحّره ومهارته فيها يجوَ له الإفتاء في كل علم وفن وإن كان جاهلا به رأسا : قل للذي يدّعي في العلم فلسفة * حفظت شيئا وغابت عنك أشياء وبين من دعته إليه الأغراض السياسية الدنية وبين من اشتبه عليه تباين الإلهيات والطبيعيات ، فحيث لم يجد اللّه في الحقل التجربي أنكره ولم يدر المسكين أن طريق الاستنتاج في كلّ من العلمين لا يرتبط بالآخر أصلا ؛ وبين من أضلّه تعريف أصحاب الكنائس حيث جعلوا الخالق جسما متحرّكا آكلا شاربا متصارعا إلى غير ذلك من خرافات التوراة والأناجيل الموجودين ، فإذا أصبح الاله المعبود كذلك فالحق مع الماديين ، والجناية حينئذ على عاتق